الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

46

نفحات القرآن

مادتها ( دُبُر ) وتعني ظهر الشيء ، ومن ثم استعملت بمعنى التفكّر والتفكير بعواقب الأمور ، وذلك لأنّ عواقب الأمور ونتائجها تتّضح بالتفكّر . إنّ الآية الأولى أوضحت أنّ التدبر هو هدف نزول القرآن كي لا يقتنع الناس بقراءة الآيات ككلمات مقدسة فحسب وينسوا الهدف الأخير منها . والآية الثانية اعتبرت ترك التدبر دليلًا على أقفال القلوب وتعطيل الحس . وعلى أيٍّ فإنّ هاتين الآيتين دعوة عامة للتدبر ، دعوة تثبت بوضوح إمكانية المعرفة « 1 » . 7 - المعرفة هي الهدف من المعراج « سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » . ( الاسراء / 1 ) ونفس معنى الآية هذه ورد في سورة النجم ، حيث تحدثت عن المعراج بأسلوب آخر ، والآية هي : « لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى » . ( النجم / 18 ) تبين هاتانِ الآيتان - على الأقل - أحد الأهداف المهمّة لمعراج النبي صلى الله عليه وآله وهي قضية رؤية آيات الحق الكبرى ، الرؤية التي تعتبر أهم مصادر المعرفة « 2 » . 8 - الدعوةُ للإسلام بدأت بالدعوة للعلم « إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم » . ( العلق / 1 - 5 ) إنّ هذه الآيات التي تعتبر أول أنوار الوحي التي شعّت في قلب الرسول الطاهر صلى الله عليه وآله في

--> ( 1 ) . يقول الإمام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم : « ما بعث اللَّه أنبياءه إلى عباده إلّاليعقلوا عن اللَّه فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة » . ( أصول الكافي ، ج 1 ، ص 16 ) . ( 2 ) . للتفصيل راجع التفسير الأمثل ، ذيل الآية 18 من سورة النّجم .